الثلاثاء، 25 يونيو، 2013

سلسلة قراءات فى تاريخ الإسلام والمسلمين (1) الخليفة الزاهد العالم عمر بن عبد العزيز


هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمه هى أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولد بالمدينة المنورة سنة إحدى وستين من الهجرة، كان أبيض رقيق الوجه حسن اللحية، جميلًا غائر العينين وفي جبهته أثر شجة من حافر دابة ضربته أو وقع هو عنها، ولذلك سمي وعرف بأَشَج بني أمية، حفظ القرآن وهو صغير.
تولى والده على الصلاة وأموال الخراج في مصر، وكان ذلك عام خمسة وستين إلى أن توفاه الله سنة خمسة وثمانين هجرية، وكان سن عمر بن عبد العزيز حينئذ خمسة وعشرين سنة، وعندئذ بعث الخليفة عبد الملك بن مروان إلى ابن أخيه عمر وضمه إلى أولاده في دمشق، وفضله على كثير منهم، وزوجه ابنته فاطمة، وولاه أميرًا على مدينة خُناصِرة وهي مدينة في الشام تابعة لحلب، وبقي عمر فيها حتى توفي الخليفة عبد الملك سنة ستة وثمانين.
فلما بويع ابنه الوليد بن عبد الملك بالخلافة ولى عمر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة ومكة والطائف، أي على الحجاز كله، فبقي عمر واليًا على المدينة وعلى الحجاز كله حتى سنة ثلاثة وتسعين من الهجرة، وفي أثناء إمارة عمر على المدينة جدد المسجد النبوي ووسعه بأمر من الخليفة الوليد بن عبد الملك، حتى جعله مائتي ذراع في مائتي ذراع.
ولما عزله الخليفة عن إمارة المدينة عاد عمر إلى دمشق سنة ثلاثة وتسعين من الهجرة، فعاش فيها ولم يكن على وفاق تام مع الخليفة الوليد بن عبد الملك.
وعهد إليه سليمان بن عبد الملك بالخلافة فلما مات سليمان تمت البيعة لعمر بن عبد العزيز في المسجد الجامع بدمشق، وبايعه بنو أمية سنة تسعة وتسعين من الهجرة، واستعان بعدد من كبار العلماء ليستشيرهم فيما يُقْبِل عليه. مثل: العالم الجليل رجاء بن حيوة ومحمد بن كعب وسالم بن عبد الله بن عمر.
وقد اتخذ عمر بعد أن تولى الخلافة عددًا من الإجراءات ألزم نفسه وأهل بيته بها، وكلها تدل على فضله وتورعه عن أموال الرعية وتواضعه الشديد، وبعده عن المظاهر وشعوره بعظيم ما ألقي عليه من مسئولية الحكم، ومن هذه الإجراءات:
-أنه لما رجع من جنازة سليمان بن عبد الملك أتي له بمراكب الخلافة ليركبها، فامتنع من ذلك وقال: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله قدموا إلي بغلتي" ثم أمر ببيع تلك المراكب وكانت من الخيول غالية الثمن، ووضع ثمنها في بيت المال، ولما دخل عمر بيت الخلافة أمر بالستائر فأنزلت وبالثياب التي كانت تفرش للخلفاء فرفعت، وبيع ذلك كله ووضع ثمنه في بيت المال.
وكان للخليفة ثلاثمائة شرطي وثلاثمائة من الحرس، فخيرهم عمر بن عبد العزيز وقال لهم: "إن لي عنكم بالقدر حاجزًا وبالأجل حارسًا، من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله".
- أن عمر بن عبد العزيز خرج من كل ما كان فيه من النعيم في الملبس والمأكل والمتاع، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا نذكر منها:


  1. كان راتب عمره ودخله المالي في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف درهم، فترك ذلك كله، حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة في كل سنة، ويقول عمرو بن المهاجر: "كانت نفقة عمر بن العزيز كل يوم درهمين".
  2. كان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدًّا غالي الثمن فيقول: "ما أحسنه لولا خشونة فيه" مع أنه لين وناعم، فلما ولي الخلافة كان يلبس القميص الغليظ المرقوع، ولا يغسله حتى يتسخ، ولم يكن له إلا قميص واحد، إذا غسلوه جلس في المنزل حتى يجف.
  3. كان عمر يأكل الغليظ من الطعام، ولا يبالي بشيء من النعيم ولا يتبعه نفسه ولا يوده.
  4. ومما يروى عنه من أخبار بشأن تورعه الشديد عن أموال الدولة: أنه كان له سراج في بيته يكتب حوائجه في ضوئه، وسراج آخر لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، ولا يكتب على ضوئه لنفسه حرفًا واحدًا.

5-وقد عُرض عليه مرة مِسك من بيت المال -وهو الطيب المعروف- فسد عمر أنفه حتى وُضع المسك في بيت المال، فلما سئل عن ذلك قال: "وهل ينتفع من المسك إلا بريحه".
- أنه سعى سعيًا حثيثًا في رد المظالم إلى أصحابها، وأعاد إلى كل ذي حق حقه، وبعد بيعته بالخلافة وفراغه من خطبة البيعة، وعودته إلى بيته ليستريح أتاه ابنه عبد الملك، وكان صالحًا ورعًا مثل أبيه فقال له: "يا أمير المؤمنين ماذا تريد أن تصنع؟ قال: يا بني أقيل -يعني: أنام في القيلولة، فقال عبد الملك لأبيه: تقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها، فقال: إني سهرت البارحة في أمر سليمان -يعني: انشغلت بدفنه- فإذا صليت الظهر رددت المظالم، فقال له ابنه: ومن لك أن تعيش إلى الظهر؟! فقال له عمر: ادنُ مني، أيْ بني، فلما دنا منه قبل بين عينيه وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني". ثم قام عمر وخرج وترك القائلة وأمر مناديه فنادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها
لقد كان عمر بن عبد العزيز أمة وحده، وقد أطنب العلماء والمؤرخون في ذكر فضائله ومحاسنه، وجعلوه في مصاف الخلفاء الراشدين علمًا وعدلًا وورعًا ودينًا وتقوى وزهدًا، ونعتوه بالمهدي وأكثروا في وصفه وجمعوا سيرته وأخباره، وقد صنف الحافظ أبو الفرج بن الجوزي كتابًا في سيرة عمر بن عبد العزيز، ضمنه فصولًا في أخلاقه وآدابه وفي زهده وورعه، وكرمه وتواضعه، وحلمه وصفحه، وعلمه وفقهه، وتعبده واجتهاده وخوفه من الله وبكائه من خشيته، ومناجاته ودعائه وعلو همته، وفي اعتقاده وعدله في رعيته، وغير ذلك من محاسنه وفضائله.
وممن صنف أيضًا في سيرة عمر بن عبد العزيز: ابن عبد الحكم، وهو من علماء مصر، وأبو بكر الآجري وغيرهما، وترجم له بترجمة طويلة العديد من المؤرخين وكتاب التراجم، كأبي نعيم في كتابه (حلية الأولياء)، والذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء)، والمِزِّي في كتابه (تهذيب الكمال) وابن كثير في (البداية والنهاية)، والسيوطي في (تاريخ الخلفاء) وغيرهم كثيرين.
وقد وصفه الإمام الذهبي -وصف عمر بن عبد العزيز- بقوله: "هو الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد السيد، أمير المؤمنين حقًّا الخليفة الراشد، وقال عنه أيضًا: قد كان هذا الرجل حسن الخَلق والخُلق كامل العقل حسن السمت جيد السياسة، حريصًا على العدل بكل ممكن وافر العلم فقيه النفس ظاهر الذكاء والفهم، أواهًا منيبًا قانتًا لله حنيفًا زاهدًا مع الخلافة، ناطقًا بالحق مع قلة المعين، وقد عد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين والعلماء العاملين".
سوف نلخص سياسته في عدد من النقاط:

  1. منع نفسه من الانتفاع بالأموال العامة، وكان يتشدد في ذلك جدًّا مع أهل بيته ومع أمرائه وعماله.
  2. حرم الهدايا على نفسه وعلى موظفي الدولة؛ لئلا تميل نفسه ونفوسهم إلى محاباة الناس ومجاملتهم.
  3. منع من الإنفاق في الكماليات ما دام في الأمة فقير محتاج، والكماليات هي الأشياء الغير ضرورية.
  4. ساوى بين الناس في توزيع العطاء، وهي الأموال التي تصرفها الدولة للناس من بيت المال.
  5. أبطل الضرائب غير الشرعية ، ومنع العطايا الأميرية وأوقفها، وهي العطايا التي كان الخلفاء الأمويون يمنحونها لأهل بيوتهم، كالأراضي والأموال، ولم يكتفِ عمر بذلك وإنما رد المظالم إلى أصحابها كما ذكرنا، واسترد ما في أيدي الأسرة الأميرية -وهي الأسرة الأموية- من عطاء الخلفاء الذي وصل إليهم من لدن معاوية بن أبي سفيان إلى أن تولى عمر الخلافة.

وكانت نتيجة هذه السياسة المالية الراشدة -التي اتبعها عمر بن عبد العزيز- أن فاض الخير على الناس وتلاشى الفقر حتى قال عمر بن أُسيد: "والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، يعني لا يجدون فقيرًا، قد أغنى الله على يد عمر الناس".
وقال يحيى بن سعيد: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية -يعني: في الشمال الأفريقي- وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرًا واحدًا، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابًا -يعني: عبيدًا- فأعتقتهم وولاؤهم للمسلمين".
لقد أخذ عمر بن عبد العزيز منذ أن ولي الخلافة في بذل كل ما يملك من طاقة، وما يتمتع به من خبرة في إصلاح أمور الدولة واستقرار الأمن، ونشر الرخاء والعدل وتحقيق الكفاية والوفرة في كل أنحائها، والحرص على مال المسلمين، وإنفاقه في وجوهه المشروعة، وحسن التصرف في الأمور والدقة في اختيار الولاة والقضاة، وسائر كبار موظفي الدولة، وتحقيق التوازن بين طبقات المجتمع ومجادلة الخارجين على الدولة بالحسنى كالخوارج؛ لإقناعهم بالعودة إلى حظيرة الجماعة.
وقد سرت تلك الروح في كل ناحية من نواحي الحياة في الأمة الإسلامية زمن عمر بن عبد العزيز، فعمها الرخاء وسادت فيها الكفاية والعدالة الاجتماعية، حتى إن عمال الصدقات كانوا يبحثون عن فقراء لإعطائهم فلا يجدون، كما ذكرنا قبل قليل.
أما عن سياسة عمر الخارجية فقد رأى رحمه الله أن الدولة اتسعت كثيرًا، وأن كثيرًا من المشاكل والأخطاء نشأت من ذلك الاتساع، فرأى وقف الفتوحات والاهتمام بنشر الإسلام في البلاد التي تم فتحها، وإرسال الدعاء والعلماء لدعوة الناس، بدلًا من إرسال الجيوش والحملات العسكرية.
ولقد أثمرت تلك الجهود نتائج محمودة، فأقبل أبناء الشعوب المفتوحة على اعتناق الإسلام وفهمه، ويجذبهم إليه سمعة الخليفة الحسنة وسمو أخلاقه، ونبله وعدله الذي تجاوز حدود دولته إلى غيرها من الدول، فكان عمر موضع إعجاب وتقدير وحمد وثناء من أهلها، وبخاصة الدولة البيزنطية.
وفي الختام نقول: لقد استمرت خلافة عمر سنتين وبضعة أشهر، شهدت فيها الدولة إصلاحات عظيمة في الداخل وفي الخارج، وامتلأت الأرض نورًا وعدلًا وسماحة ورحمة، وتجدد الأمل في النفوس بإمكان عودة حكم الراشدين واقعًا ملموسًا وحقيقة لا خيالًا، وأن يقام المعوج وينصلح الفاسد ويرد المنحرف إلى جادة الصواب، إذا استشعر الحاكم مسئوليته عن الأمة أمام الله، واستعان بأهل الصلاح من ذوي الكفاءة والقدرة، ومن ثم فليس بغريب أن يطلق على عمر خامس الخلفاء الراشدين، كما قال سفيان الثوري رحمه الله، ولقد توفي عمر بن عبد العزيز في أواخر شهر رجب سنة مائة وواحد من الهجرة، ولم يكمل الأربعين من عمره، رحمة الله على عمر بن عبد العزيز رحمة واسعة.


 منقول من منتدى جامعة المدينة العالمية
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=1329

مع تحيات جامعة المدينة العالمية

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

Sample text

Sample Text

Sample Text